الحدث في رواية "وكان مساء" لعبد الحميد جودة السحار | انتصار حسن

الكاتب: Entesar Hassanتاريخ النشر: عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق


مجلة فن السرد

صدرت رواية "وكان مساء" للكاتب عبد الحميد جودة السحار عام 1962 عن مكتبة مصر، وتضم بين دفتيها 268 صفحة.

تحدث فيها السحار عن مفاجآت الأقدار، إذ تحكي رحلة عمل جمال بطل الرواية، إلى جدة، ثم إلى باكستان، وتميزت الرواية بأسلوبها السردي والوصفي للأحداث والأماكن، حيث نقل لنا الكاتب أحداثا استشعرها الكثير من المصريين الذين سافروا للعمل بالخليج في فترة من الفترات.

بنيت الرواية على عنصر التشويق، حيث بدأ الراوي سرده لحياة البطل منذ أن كان في أول مراحل الصبا، يعيش أحلامه الوردية، وحتى صار رجلاً ناضجًا وأبًا. 

وقد اتسم السرد بالازدواج الحدثي في البداية، والانتقال بين زمنين: زمن الماضي والحاضر، إلى أن ترتبط البداية بالنهاية.

بداية الحدث

يظهر بطل الرواية متسائلًا: لماذا قبلت؟ فيُعرف أن بطل الرواية متمثل في شخص الراوي، وهو من سيحكي أحداث الرواية بضمير المتكلم.

بعد تساؤل "جمال عبد السلام"، نراه يقف مودعًا أهله بعدما قرر قبول عرض السفر للعمل في المملكة العربية السعودية. تتسمر عيناه على أفراد عائلته، وهو يفكر في رحلته صوب المجهول، وهو لا يدري ما الذي سيشهده من مفاجآت يخبئها له القدر.

هكذا بُدئت الرواية بالسفر،  وتناسق مستهلها تمامًا مع نهاية نهايتها فيما بعد، لتكون ما بين البداية والنهاية قصة رحلة مشوقة غاص فيها جمال في أعماق ذاكرته.

يقول بطل الرواية: قبلت السفر لأنني أؤمن أن هناك قوة تسيطر على أقدارنا، وهي التي فتحت لي هذا الباب.

ثنائية الحدث

 تأخذ الرواية بعد ذلك مسارًا آخر، فقد ظهرت ثنائية جميلة للحدث واستمرت هذه الثنائية حتى انتهت قصة الزمن الماضي. ففي فترة تأقلم جمال مع المكان الجديد يبدأ بتذكر أيام طفولته وشبابه، ويتذكر قصة تلك الفتاة الإيرانية الأصل التي أحبها واتفق معها على الزواج.

ارتبط حدث الزمن القديم بحدث الزمن المعاش مع الاحتفاظ بالتسلسل والتشويق ودون الإخلال بجودة الرواية. وبهذه الثنائية نشهد التغير المتتالي للزمان والمكان، إذ تارة يتذكر بيته القديم في القاهرة التي جاء منها، ويتذكر حين كان طالبًا في الثانوية، وكانت فاطمة حينها طفلة همها الوحيد هو اللعب واللهو، وكانت تناديه بـ "عم جمال". يتذكر صوتها الجميل ويتذكر كيف كان يشتري لها الحلوى من محل "ألف صنف".

الحدث في قصة الزمن الماضي

بدأ بتذكر أيام صباه وطفولة فاطمة، وظل السرد متنقلا بين الماضي والحاضر إلى أن وصلت أحداث القصة إلى الذروة حين نجح جمال وتخرج من الجامعة، وجاء إلى فاطمة فرحًا قائلاً لها: سنتزوج ونبني بيتًا سيكون أسعد بيت.

ثم يبدأ الحدث بالنزول تدريجيا، حين تختفي فاطمة فجأة من حياة جمال ودونما مبررات، ويكتشف فيما بعد أنها تزوجت وسافرت. تتحطم أحلام الشاب الطموح، وتنتهي مع هذه الصدمة العاطفية خططه التي كان يرسمها لمستقبل وردي.

تنتهي ذكريات جمال إلى هذا الحد، ثم يظهر متسائلًا عن سبب تذكره لفاطمة وفي هذه الفترة بالذات، فهي لم تخطر بباله منذ فترة طويلة.

وقد أسماها اللحن الناقص في حياته، والقصيدة البتراء التي نظم القدر مطلعها ثم أهملها تاركًا إياها دون نهاية.

تطور الحدث

بعد أن استقر جمال في المملكة العربية السعودية، نجد الحدث يتطور إذ يختاره الوزير ليكون عضوًا في البعثة الذاهبة إلى الباكستان فيترك أولاده وزوجته في السعودية ويسافر. ولأنه اُختير عضوًا في البعثة السعودية توجب عليه لبس الثياب العربية المعروفة.

وفي الباكستان يستمر الحدث بالتطور إذ يكثر تنقله وزياراته لبيوت الضيافة هناك. 

الاقتراب من الحبكة

يشدنا جمال حين يقول عن تلك الليلة وكان مساءً لن أنساه فيلفتنا إلى عنوان الرواية. في إحدى بيوت الضيافة، نجد أنه يلتقي بفتاة في السابعة عشرة من عمرها فيخيل إليه أنه يعرفها، وأنه حدثها بل وسمع غناءها.

ذهب إليها وعرف بنفسه وأخذ يحدثها طويلا ولقبّها ببدر البدور، وحين سألته الفتاة (ياسمين) عن قصة بدر البدور وعدها بأنه سيحكيها لها في وقت لاحق.

ثم جاءت فرصة ليحكي لها الحكاية، حكاية بدر البدور التي حملها الجني إلى الأمير. كان يحكيها في حدائق شاليمار إحدى عجائب الدنيا، وأحس حينها أن روحيهما قد تقابلتا من قبل.

أجاد الراوي وصف حدائق شاليمار - لاهور - باكستان للدرجة التي تجعلك تتمنى أن تسافر لتراها.

ويصل الحدث إلى ذروته حين يشعر جمال بعاطفة غريبة تجاه هذه الفتاة، تعلق بها كثيرًا ولم يستطع التوقف عن التفكير بها.

يقرر جمال الزواج بياسمين ويقنع نفسه بأنه يستطيع فتح بيتين، وأنه سيقنع زوجته فهو ليس أول من اتخذ له زوجة ثانية.

وكانت كل الأحداث تساهم في الوصول إلى هذه الذروة.

الحبكة

تعلقت به ياسمين كذلك، ودعته لبيتهم كي تعرفه على والدتها. وحين يرى جمال والدة ياسمين يقف مذهولًا غير مصدق لما تراه عيناه. فلم تكن أم ياسمين إلا حبيبته فاطمة التي فارقته منذ عشرين عامًا، وها هو يلقاها في الباكستان، وأين؟ في هذا المنزل؟ وما هي الأفكار التي دارت بخلده وهو يدخل هذا المنزل؟ بل ما نوع النية التي نواها حينئذ؟

ارتبك جمال، ولكن فاطمة لم تعرفه بسبب الثياب الغريبة واللحية وتغير شكله مع السنين.

الاقتراب من النهاية

يقول جمال: "لقد قرر القدر إكمال لحنه الناقص ونظم قصيدته البتراء." وعرف أيضًا سبب انجذابه لياسمين.

 في حيلة ذكية يدعي جمال معرفته بقراءة الكف، يأخذ كف فاطمة ويحكي لها الكثير عن حياتها حتى تندهش فاطمة من أدق التفاصيل. فإذا بياسمين تمد يدها إليه طالبة منه أن يقرأه. فيقول لها: "لم يعرف قلبك الحب بعد، لن تكوني زوجة ثانية لرجل غريب، ولن تحملك جنية إلى بلاد بعيدة."

يبدأ الحدث بالنزول تدريجيًا إذ يقرر جمال إظهار شخصيته الحقيقية لفاطمة. يرتدي ملابسه العادية ويحاول أن يعيد شكله إلى ما كان عليه فتندهش ياسمين لأنها لم تعرفه منذ أول وهلة.

وما إن رأته فاطمة حتى اضطربت وتسمرت في مكانها وتمتمت في إنكار: "جمال!"

وهنا يدور حوار بينهما وياسمين تقول لهما مستغربة: "ماذا تقولان بالعربية؟" فيتكلمان عن أولادهما وحياتهما وكيف فرق بينهما القدر.

النهاية

كان اليوم التالي هو يوم مغادرة جمال للباكستان وعودته إلى المملكة العربية السعودية ومن ثم إلى مصر.

وقبل السفر جاءت فاطمة وياسمين لتوديعه بعد أن حدثت الأم ابنتها عن الحكاية القديمة. كان جمال يحدث فاطمة بالعربية فتقول ياسمين: "فهمت حديثكما، كنتما تتحدثان عن الحلوى في محل (ألف صنف)."

تم الوداع وقالت له ياسمين: "مع السلامة عمي جمال"، فيتذكر فاطمة الصغيرة التي كانت تناديه بهذا الاسم.

وتختم الرواية بهذا المشهد: يجلس جمال في الطائرة يتذكر أولاده وزوجته وبيته ووطنه، فتسيل الدموع من عينيه وهو يقول: "إنني قادم، إنني قادم." وتنتهي الرواية بانتهاء الرحلة.

 مجلة فن السرد | قراءات ودراسات 

التصنيفات

شارك.ي. المقال

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

اترك.ي. تعليقا

ليست هناك تعليقات

2455631403162698945

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث