سوناتا ٱلأرْضِ وَٱلسّماءِ | بدر أسوكا

الكاتب: مجلة فن السردتاريخ النشر: عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 

مجلة فن السرد

مجلة فن السرد
سوناتا ٱلأرْضِ وَٱلسّماءِ | بدر أسوكا

- 1 -

اِنْقشعَ الضّباب، الشّمسُ ساطِعةٌ اليوم، والسّماء تحُفّها بِزُرقةِ البحر، قِطَعٌ قُطنيّة صغيرة ٌ هنا وهناك، تهيم كالموجِ على أديمها، ببطءِ و هدوءِ المُتربّص. الجَمل الجيولوجيّ البُني أمامي مايزال رابضًا، كما كان، وكما سيبقى إن لم يُمدّد عضلاتِه، ويقلّص أعمارنا إلى الصّفر.

- 2 -

رائِحة الدّخان تُزْكِمُ أنفي، مُثْقَلة بروائحَ مختلفةٍ : روث البهائم، الخُبز المطهوّ على نيران خشبِ الزّيتون العتيق، الخشب المُحترِق نفسه، ورائحة فصل الشّتاء.

 نعم للشّتاء رائحة، رائِحةٌ بارِدة خفيفة، تفاجِئ أنفك وتتسرّب إلى خَياشيمِك، حتّى تصلَ حلقكَ وبعد أن تتجاوز المريء، تصير هناك في بَطنِك بارِدةً مُنعشة، كلّ هذا في وقتٍ واحد، بعدها تشعُر بطعم الشّتاء على ذؤابَة  لِسانك. للشّتاء طعمٌ كالتّراب، لم أذُقْ التّراب من قبلُ، لكنّني شممتُه، الشّمّ والذّوق في الأصل كانا حاسّة واحدة فافترقا. مايزال جزْءٌ ما داخلي يُصرّ على أن للشّتاءِ طعم التّراب، رائحة التّراب، ولست مُستعدًّا لمجادلتِه.

-3-

أجلِس على السطح، تارِكًا رجليّ تتدليانِ بِمرحٍ طُفوليٍّ من على الحافّة. أرمُقُ شجرةَ لوزٍ معقوفة الظّهر أمامي، يبدو أنّها كانت باسِقة أيّام شبابها. تتكئ على شجرةِ لوزٍ أُخرى جانبها ما تزال بعد فتيّةً. واقفتان جنبا إلى جنب، كالأم مع ابنتها، مُحاطتان بأشجار زيتونٍ قصيرةٍ يبدو أنها زُرِعتْ حديثًا. 

تبدو الشّجرة العجوز المتكئة كأنّها عمّرت ألف سنة، وإن كان عُمرها يكاد لا يتجاوز الثلاثين. كانت تبدو كعجوز شمطاء شعثاء شبه عارية، والعاصِفة التي مرّت قبل أيام جعلتها تبدو أعتق.

أسْمعُ العصافير تشذو، تزقزق، وتقْتَرِبُ منّي بين الحين والآخر. يُضفي صوتها الصّافي العذْبُ لمْسةَ هدوءٍ على المكان، هدوء لا يكسِرُه سِوى صِياحُ الدّيَكة المُتعاركَة حول دجاجة روميّة جاءت حديثا من المدينة، ونُباح الكِلاب المُوَسْوَسَة، التي تظنّ كل صَيْحَةٍ عليها، ومِعولٌ يجرح الأرض بأوامِر تنهيدةِ عجوزٍ تصاحِبُ كل ضربة.

-4-

ما أن أنسى نفسي وَسَطَ سمْفونية الأرض الصّاخبة، و ما أن أذوب في لَوحات السّماء الرائعة، حتى يُعيدني أزيزُ صفيح السّماء الصّدّاح لذاتي مُتحسّرا. أرْفعُ رأسي عاليًا، وأبْحث عن الصّفيحة مُراوغا أشعّة الشّمسِ الحادّة، فلا أجد إلا أُخدودا أبيضَ يُعاشِر الغُيوم والسّحاب. يخْسَأُ بصري، ينقلِبُ إليّ، وأعود القَهقَرى. وبعدها أسْمعُ صوْتا داخلي يقول ما أروع الإنْسان، و ما أعظمَ بُؤسَه !

مجلة فن السرد | مشاتل 


التصنيفات

شارك.ي. المقال

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

اترك.ي. تعليقا

ليست هناك تعليقات

2455631403162698945

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث